YOORID.COM

Exégèse du Coran en arabe en 14 tomes de Mohammed Rateb al-Nabulsi تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد راتب النابلسي
Exégèse du Coran en arabe en 14 tomes de Mohammed Rateb al-Nabulsi تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد راتب النابلسي
Exégèse du Coran en arabe en 14 tomes de Mohammed Rateb al-Nabulsi تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد راتب النابلسي

Exégèse du Coran en arabe en 14 tomes de Mohammed Rateb al-Nabulsi تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد راتب النابلسي

YID-EX-0073-S

Prix régulier €210.00
0 en stock

Exégèse du Coran (arabe) en 14 tomes de Mohammed Rateb al-Nabulsi تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد راتب النابلسي



بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم
المؤلفات - كتاب تفسير النابلسي: تدبر آيات الله في النفس والكون والحياة: مقدمة كتاب
2016-05-15

المقدمة
الحمد لله الذي امتن على عباده بنبيه المرسل ، وكتابه المنزل ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، فهو الضياء والنور والشفاء لما في الصدور.
أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ، وجعله نوراً لا يطفأ مصباحه ، وسراجه لا يخبو توقده ، ومنهاجاً لا يضل سالكه ، وفرقاناً لا يخمد برهانه ، وتبياناً لا تهدم أركانه ، وعزاً لا يهزم أنصاره ، وحقاً لا يخذل أعوانه .
وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين محمد ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين ، وبعد ...
فالقرآن هدى وبيان ، وموعظة وبرهان ، ونور وشفاء ، وذكر وبلاغ ، ووعد ووعيد، وبشرى ونذير ، يهدي إلى الحق ، وإلى الرشد ، وإلى صراط مستقيم ، يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، فيه تبيان لكل شيء ، وهو شفاء لما في الصدور .
وهو مصدر رئيس لمعرفة الله عز وجل ، فالقرآن كلامه ، ومن خلاله نتعرف إلى الله عن طريق التدبر ، والسموات والأرض خلقه ، ومن خلالهما نتعرف إلى الله عن طريق التفكر ، والحوادث أفعاله ، ومن خلالها نتعرف إلى الله عن طريق النظر والتأمل .
وحينما يقتني أحدنا آلة بالغة التعقيد ، غالية الثمن ، ذات نفع عظيم ، تراه حريصاً حرصاً لا حدود له على اقتناء الكتيب الذي تصدره الجهة الصانعة ، والذي يتضمن طريقة الاستعمال ، وأسلوب الصيانة ، فهو حريص على اقتناء هذا الكتيب ، وعلى ترجمته وفهمه ، وتنفيذ تعليماته بدقة بالغة ، وهذا نابع من حرصه الشديد على سلامة هذه الآلة ، وعلى رفع مستوى مردودها .
وهذا الإنسان بجسده يعد أعقد آلة في الكون ، ففي خلاياه وأنسجته ، وفي أعضائه وأجهزته ، من الدقة والتعقيد والإتقان ما يعجز عن فهم بنيتها وطريقة عملها أعلم علماء الطب، وفي هذا الإنسان نفس تعتلج فيها المشاعر والعواطف ، وتصطرع فيها الشهوات والقيم والحاجات والمبادئ ، حيث يعجز عن تحليلها وتفسيرها أعلم علماء النفس ، وفيه عقل يحتوي من المبادئ والمسلمات والقوى الإدراكية والتحليلية والإبداعية ما أهله ليكون سيد المخلوقات .
والآن .. ألا يحتاج هذا المخلوق المكرم إلى كتاب من خالقه ومربيه ومدبره ومسيره، يبين له فيه الهدف من خلقه والوسائل الفعالة التي تحقق هذا الهدف ؟
ألا يحتاج هذا المخلوق المكرم إلى كتاب فيه منهج يسير عليه ، ويضبط ويصحح حركاته ونشاطاته من الخلل والعبث ؟
ألا يحتاج هذا المخلوق البديع في خلقه إلى كتاب فيه مبادئ سلامته ، وسلامة جسده من العطب ، وسلامة نفسه من التردي ، وسلامة عقله من التعطيل والتزوير ؟
ألا يحتاج هذا المخلوق المكرم إلى كتاب فيه مبادئ سعادته فرداً ومجتمعاً في الدنيا والآخرة ؟..
إنه القرآن الكريم الذي لا يقل في عظمة إرشاده وتشريعه عن عظمة إيجاد السموات والأرض.. قال تعالى :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

(الأنعام:1)

و قال أيضاً :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾

( الكهف :1)

فكلما أن الله يحمد على نعمة إيجاد السموات والأرض ، كذلك يحمد بالقدر نفسه على نعمة الإرشاد....
إرشاد الإنسان من خلال القرآن إلى طريق سلامته وسعادته الأبدية .
إن العين مهما دقت صنعتها ، ومهما أحكمت أجزاؤها ، ومهما تعددت وظائفها ، لا تستطيع أن تبصر الأشياء إلا بنور الشمس ، والعقل مهما كبر ورجح ، ومهما تعددت وظائفه ، ومهما دقت محاكمته ، ومهما نما إبداعه ، لا يستطيع أن يدرك الحقائق إلا بنور الله..والقرآن هو نور الله ، قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾

( النساء : 174)

وحينما يستنير المؤمن بنور الله فلن يضل عقله ، ولن تشقى نفسه قال تعالى :
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( طه : 123)

وكيف يضل امرؤ يقرأ القرآن ، والقرآن يقدم له تفسيراً صحيحاً لحقيقة الكون والحياة والإنسان ، من عند مكون الأكوان ، وواهب الحياة ، وخالق الإنسان ...
فالسموات والأرض خلقت بالحق ، وهو الثبات والسمو ، ولم تخلق باطلاً ولا لعباً ، وهما الزوال والعبث .
والسموات والأرض مسخرة للإنسان ، تسخير تعريف ، وتكريم من أجل أن يؤمن ويشكر .
إن الله عز وجل ذكر في كتابه آيات كونية تزيد على ألف وثلاثمئة آية ، وبهذا تحتل آيات الكونيات سدس القرآن ، لتكون هذه الآيات الكونية تعريفاً بالله عز وجل من خلال خلقه .
إن كل شيء خلقه الله عز وجل – دون استثناء- له مهمتان :
مهمة كبرى ؛ وهي تعريف الناس بالله .
ومهمة صغرى ؛ وهي الانتفاع به .
فأهل الدنيا استفادوا من الناحية الثانية إلى أعلى درجة ، فكل ما في الطبيعة من ثروات ، من أشياء جمالية ، من نباتات ، من أزهار ، استفادوا منها ، ولكن المؤمنين وحدهم استفادوا من الوظيفة الأولى : أنها تعرفنا بالله عز وجل ، فأينما ذهبت ، وأينما جلست ، وحيثما نظرت فأنت أمام آيات لا تعد ولا تحصى.
والقرآن الكريم يحث على التفكر في هذه الآيات ، يقول تعالى :
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ 190 الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( آل عمران : 190، 191 )

ويقول عز وجل :
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

(يونس :101)

وفي آية أخرى :
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

(يوسف :105)

هذا عن الكون ، وأما الحياة الدنيا فهي دار ابتلاء وانقطاع وعمل ، والآخرة دار جزاء وخلود وتشريف .
والحياة الدنيا كما وصفها القرآن حياة دنيا ، وليست عليا ، وهي لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر وجمع ، والآخرة خير وأبقى ، وهي دار قرار .
والله جل وعلا يشهد للإنسان أن هذا القرآن كلامه ، من خلال الأحداث التي يقدرها الله له أو عليه ، وعندئذ يشهد القرآن للإنسان أن هذا الذي أنزل عليه القرآن هو رسول الله ، قال تعالى :
﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾

(النساء :166)

من ذلك – مثلاً- قوله تعالى :
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

(النحل :97)

فإذا آمن الإنسان كما ينبغي ، وعمل صالحاً بصدق وإخلاص ، أذاقه الله طعم الحياة الطيبة ، من طمأنينة ، واستقرار ، وتيسير ، وتوفيق ، وسعادة ، وحبور ، وعندئذ يشعر من خلال الحياة الطيبة ، التي ذاقها مصداقاً لوعد الله ، أن الله جل جلاله شهد له بأن هذا القرآن كلامه ، وأن هذه الحياة الطيبة من فعله ، وقدّرها له تحقيقاً لوعده .
وفي المقابل ، قال تعالى :
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( طه : 124 )

فمن أعرض عن ذكر الله – والقرآن هو ذكر الله- وهجره ، وجعله وراءه ظهرياً ، واستحل محارمه ، ولم يعبأ بأمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وأذاقه الله طعم المعيشة الضنك ، من خوف وقلق ، وضيق وشدة وتعسير ، وإحباط وشقاء وضياع ، عندئذ يشعر من خلال هذه المعيشة الضنك التي ذاقها مصداقاً لوعيد الله ، أن الله شهد له بأن هذا القرآن كلامه ، وأن هذه المعيشة الضنك من فعل الله قدرها عليه تحقيقاً لوعيده .
والإنسان لم يخلق عبثاً ولن يترك سدى ، وهو على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ؛ إنه المخلوق المكرم الذي خلقه الله في أحسن تقويم ، وكرّمه أعظم تكريم ، وحمل الأمانة التي أشفقت من حملها السموات والأرض ، وأن الإنسان خلق ضعيفاً ، وخلق عجولاً ، وخلق هلوعاً ، وإذا مسّه الشر جزوعاً ، وإذا مسّه الخير منوعاً ، إلا المصلين ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى ، وهو يفلح ، ويفوز إذا أطاع الله ورسوله ، وتزكى وذكر اسم ربه فصلى ، ولا ينفعه يوم القيامة مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم ، وإن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
وكيف يضل امرؤ يقرأ القرآن ، والقرآن يبين له أنه لا إله إلا الله وهو غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، وأنه في السماء إله وفي الأرض إله ، وأنه إليه يرجع الأمر كله ، وأنه على كل شيء وكيل ، وأنه يحكم لا معقب لحكمه ، وأنه لا يشرك في حكمه أحداً ، وأنه ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، وأنه ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وأنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
ومن اهتدى بهدي القرآن لا يضلّ عقله ، ولا تشقى نفسه ، وكيف تشقى نفسه وتحزن ، وقد منحه الله نعمة هي أثمن ما في الحياة النفسية ، ألا وهي نعمة الأمن ، تلك النعمة التي عزّت على كثير من الناس ، فهو حينما آمن بالله وحده ابتعد عن الشرك ، الجلي والخفيّ ، وحينما ابتعد عن الشرك ابتعد عنه العذاب النفسي ، قال تعالى :
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

(الشعراء : 213 )

وحينما آمن بالله وحده ، وأن الأمر كله راجع إليه ، حمله إيمانه هذا على طاعته ، وترك الإساءة إلى خلقه ، عندئذ استحق نعمة الأمن ، قال تعالى :
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 81 الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

(الأنعام: 81-82 )

وكيف تشقى نفس قارئ القرآن وتحزن ، وهي تتلو قوله تعالى :
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

(الجاثية : 21)

وهل من طمأنينة تنعم بها النفس أعظم من أن يؤكد لك خالق الكون أنه لن يضيّع عليك إيمانك ، ولا عملك الصالح ، وأنه لن تكون حياتك كحياة عامة الناس الذين أعرضوا عن ذكر ربهم ، فاجنرحوا السيئات ، وتاهوا في الظلمات ؟
وكيف تشقى نفس قارئ القرآن وتحزن ، وهي تتلو قوله تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

( فصلت : 30-32 )

وهل من شعور أشدّ تدميراً للنفس من الخوف ؟ فأنت من خوف المرض في مرض، وأنت من خوف الفقر في فقر ، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها . وهل من شعور أشدّ رضّاً للنفس من الندم والحزن على ما فات ؟ فحينما يفاجأ الإنسان بدنو الأجل يصعق ويقول : يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله ، ويا ليتني قدمت لحياتي ، ويا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً ، وليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً !
لكن القرآن يطمئن المؤمنين الذين آمنوا بالله ، واستقاموا على أمره بألّا خوف عليهم في الدنيا ، لأن الله هو وليهم وناصرهم ، ويدافع عنهم ويهديهم سواء السبيل ، ولا هم يحزنون على فراقها ، لأن المؤمن ينتقل بالموت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، كما ينتقل الوليد من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا .
وبعد فقد أكرمني ربي جل جلاله بأن أخطب في جامع الشيخ عبد الغني النابلسي بدمشق ، في مطلع السبعينات بعد الألف والتسعمئة الميلادي ، حيث عقدت في المسجد – في ذلك الوقت- درساً أسبوعياً في التفسير استجابة لإلحاح إخوة كرام ، غير أني بدأت بتفسير الجزء الثلاثين ، وثنيت بالأجزاء التسعة التي قبله من القرآن الكريم ، ثم فسّرت الأجزاء العشرة الثانية ، و بعدها انتقلت إلى الأجزاء العشرة الأولى ، ووصلت إلى منتصف سورة التوبة في دمشق ، ثم شاء الله أن يكون إتمام تفسير هذه السورة في (مسجد الهادي) في مدينة عمان في المملكة الأردنية الهاشمية ، ليتم بذلك تفسير القرآن الكريم في أربعين عاماً تقريباً ، وقد سرت في ترتيب السور المفسرة انطلاقاً من قناعتي أن الآيات المكية والتي نزلت أولاً تتضمن التعريف بالله واليوم الآخر، والآيات التي نزلت في المدينة تتضمن في مجملها التشريع ، وهنا محل الإشارة إلى أن الإنسان إذا عرف الآمر ثم عرف الأمر تفانى في طاعته ، وإذا عرف الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في معصيته .
وكنت أبذل جهداً كبيراً في إعداد هذه الدروس ، فكنت أراجع أمهات كتب التفسير ، كتفسير الطبري والقرطبي والرازي وابن كثير والظلال والشعراوي ومحاسن التأويل ، وغيرها وأجتهد في فهم الآيات الكونية في الآفاق ، وفي خلق الإنسان .... من خلال الموسوعات العلمية العالمية ( موسوعة لايف الأمريكية ، والتي تمت ترجمتها إلى اللغة العربية في دار الأهرام في القاهرة ولا سيما أجزاء الكون ، والأرض ، والطيور ، والأسماك ، وغيرها من الأجزاء) التي تضمنت البحوث العلمية الأخيرة القطعية والمعتمدة التي تؤكد في مجموعها أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .
إذاً فأصل هذا الكتاب دروس عقدت في رحاب مسجد الشيخ عبد الغني النابلسي بدمشق الشام- فرّج الله عنها وعن جميع بلاد المسلمين- حيث كنت وقتها حريصاً على تسجيل كل الدروس بآلات التسجيل على أشرطة (الكاسيت) المعهودة آنذاك ، مراعياً حينها المدة الزمنية في إقامة الدرس ، ومن عنايتي بتلك الدروس حينها أني عهدت بعد حين لبعض الإخوة الكرام بتفريغ تلك الأشرطة لتكون مكتوبة على الورق ، بحيث يطابق النص المسموع النص المقروء ، دون زيادة أو نقصان ، واستمر العمل على هذا النحو زمناً طويلاً ، يمر فيه التسجيل الصوتي على الإخوة النساخ فينسخونه كما يسمعون ، مع ما قد يقع في العمل عادة من سهو في الكتابة والإملاء، وغير ذلك ، فقد كانوا يكتبون ما يسمعون حرفياً ، ولم يكن همهم إلا ذلك ، رغبة في المحافظة على النص كما هو ، فكانت النصوص صورة صادقة عن الصوت المسجل المسموع، حتى إن الأساليب المتبعة في تلك الدروس كانت تنقل إلى الورق كما هي وقد كانت تلك الأساليب مناسبة للشرائح المختلفة التي كانت المساجد تعج بها ، وهي شرائح من المجتمع تحتاج إلى نوع من اللغة المبسّطة يقرب معاني الآيات من أفهامهم جميعاً ، وقدر الإمكان ، ما يستدعي الإطناب حيناً ، والإيجاز حيناً ، و الاستطراد حيناً آخر ، واستعمال بعض العاميات ، وإلقاء بعض الطرف ، مما هو من خصائص الدرس المسموع الذي يختلف عن خصائص وأساليب وأدوات الدرس المقروء .
من هنا كان لا بد من تنقيح تلك النصوص وتحريرها ، إضافة إلى ضرورة تخريج الأحاديث الواردة وتصحيحها .
كما لم يكن بدّ من مراجعة الأرقام والإحصائيات وبعض المسائل العلمية ، التي وردت في تلك الدروس ، وهي إحصائيات ابتعدت عن زمن إحصائها قرابة ربع قرن من الزمان، فلا تعجب إن رأيت فرقاً بين ما تسمع وما تقرأ !
ولما وجدت نفسي أمام سفر عظيم الحجم كهذا ، ولا يسعني القيام بكل ما يلزمه التفسير المطبوع من جهد بعد أن شغلتني الشواغل ودهت الأمة الدّواهي ! ، فقد رأيت أن أدفعه إلى ثلة من طلبة العلم ساروا على منهج ارتضيته في عملهم هذا .
فقد كان منهجهم في تحويل النص من مسموع إلى مقروء يبدأ بوضع الآية الرئيسية المراد شرحها قبل تفسيرها ، ومن ثم تخريجها ، فإن كان لها أوجه من القراءات نسبوها بعد مراجعتها من مظانها من كتب القراءات .
وأما الأحاديث فقد قاموا بذكر مخرجها ، وراويها ، وتشكيلها .
وأما الأقوال والآثار فلطالما وظفتها في سياقاتها المناسبة ؛ لغرض الانتفاع بها دون النظر في نسبتها إلى قائلها ، أو ذكر مصدرها ، فإن ذلك لم يكن من شأن هذا الدرس ، ولا غايته ، فكان عمل الفريق عَزو جميع الأقوال والآثار المستشهد بها من المصادر الأصلية ، وما لم يقفوا منه على قائل صدّروه بلفظ : قيل ، أو قال بعضهم .
كما اجتهدوا مشكورين في تحرير المسائل الفقهية ، وإحالة الآراء التفسيرية المذكورة في الدروس إلى مواضعها وقائليها .
وأما صياغة النص فإنّ الدرس العام يخاطب عادة شرائح متعددة لا بدّ من مراعاتها، غير أنّ هذا يختلف عن الكتابة ، فكان لزاماً أن تعاد صياغة بعض جمل الشرح لتكون قريبة من القارئ كقرب المسموع من السامع .
ولذا كان من عمل الفريق إعادة سبك بعض الجمل ، واختيار أحسن الألفاظ لها ، وقاموا بتنسيق الأفكار تقديماً وتأخيراً وزيادة وحذفاً ورصفها بعلامات الترقيم المساعدة للقارئ على فهم النص إضافة إلى تشكيل الكلمات التي يلزم تشكيلها ، وضبط الغريب (إشكال ما يشكل) وأما المسائل العلمية فقد تكفّل بمراجعتها إخوة كرام مختصون بالدراسات العلمية من طب وهندسة وعلوم طبيعية وتاريخية وجغرافية وغير ذلك .
وأما المكررات في الآيات والأحاديث والقصص والمسائل العلمية التي تناسب عادة مجالس العلم إذ يستدعي مجلس السماع التكرار لتوضيح معنى آية أو أحديث ، وتكرار الشواهد من أحاديث وآثار وقصص والاستطراد وذلك لاختلاف المجلس واختلاف السامعين وتغيرهم وتجددهم ، فقد قام الفريق بحذف الآيات عند تكررها بين كل فقرة وفقرة ، وكذلك تجميع كل الأفكار المتفرقة بين الملفات التي تدور في فلك واحد ؛ وجمعها في أول موضع وردت فيه ، حتى تنزل تلك الفكرة في موضعها المناسب ، وقد تعرض أحياناً بأسلوب أحسن مما سبق أو بألفاظ أجود فيتم التنسيق بين تلك النصوص ، واختيار التفسير للمكان الأكثر ملاءمة ، وما كان في ملفات مختصراً وفي غيرها موسّعّاً جعل الموسّع مكان المختصر إن اقتضى الأمر ، ولا سيما في موضع الإعجاز العلمي ، بعض القصص والشواهد التي تناسب كثيراً من الآيات ، ولكن بعضها أولى بهذا المكان مثلاً من غيرها .
ومع هذا فقد أثبت الفريق بعض المكررات ؛ لأن القرآن الكريم تستدعي آياته المثاني التكرار لأغراض عدة ، فكان لا بد من التكرار ولكن بجعلها بعيدة بعضها عن بعض ، وقدر الإمكان ، بحيث لا يشعر القارئ بتكرارها .
وأما الاستطرادات فهناك مواضع تضطرك إليها لتفسير آيات كلياً أو جزئياً في غير محلها ، فكان لا بد من نقلها إلى مظانها ، وأحياناً تشبع الآية تفسيراً في غير موضعها ، وهي في موضعها مختصرة ، فكان لا بد من التنسيق بين النصين ، مع حذف المكرر منها .
وهكذا تفضل الله عليّ من خلال الدروس التي كنت ألقيها في جامع النابلسي لأربعين عاماً خلت بتفسير كامل للقرآن الكريم وقد سميته : تدبر آيات الله في النفس والكون والحياة ..
انطلاقاً من قناعتي أنه لا يعدو كونه تدبراً لآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية . ومما اعتنيت به في هذا التفسير :
1. الإسقاطات الواقعية ، مجتهداً في إسقاط معاني الآيات القرآنية على واقع المسلمين اليوم ، انطلاقاً من أن القرآن الكريم منهج حياة ، وكون بعض الآيات القرآنية ترتبط بسبب نزول ، أو حادثة معينة ، لا يعني أبداً تقييدها بالسبب أو الحادثة ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
2. العناية بالآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان والكون والتي تزيد على ألف آية وتفسيرها تفسيراً علمياً ، انطلاقاً من قناعتي بأن التفكر أوسع باب وأقصر طريق نصل من خلاله إلى الله ، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله .
3. ذكر القصص الواقعية سواء من التاريخ أو من الواقع المعاصر ، وكذلك الاستعانة بالمثل في توضيح معاني الآيات القرآنية ، ذلك أن القصة حقيقة مع البرهان عليها ، والمثل يرسخ المعنى ويثبته ، وينقله من فكرة مجردة إلى صورة مزينة ، ولا يخفى أن ذكر القصص وضرب الأمثال أسلوبان قرآنيان جليّان في كتاب الله .
وبعد كل ما سبق فإني أشكر الله تعالى أولاً وآخراً إذ تفضل عليّ بإنجازي هذا العمل كاملاً معداً للطباعة قبل مغادرتي للدنيا ، كما أشكر كل من قام بنقل الدروس الصوتية إلى نصوص مقروءة ، ومن قام بالمراجعة والتصحيح والتدقيق والتنقيح على مدى عشر سنوات تقريباً، أحيلهم جميعاً على الله ليكافئهم عني ، وإني إذ أعمهم بالشكر فإني أخص منهم بالذكر :
- الدكتور بلال نور الدين المشرف والمنسق لأعمالي العلميّة عامة ولهذا التفسير خاصة .
- الدكتور عبد الرحمن حرش أستاذ التفسير في جامعة إسطنبول شهير والمتابع والمدقّق لهذا الكتاب .
فجزى الله عني الأستاذين العزيزين خير الجزاء ...
ولا أنسى فريق العمل الذي عمل مع الأستاذين الكريمين ، فإذا كانوا جنوداً مجهولين فهم عند الله معلومين ، وما ضرهم أن القراء لا يعرفونهم إذا كان الله يعلمهم .
- وكذلك فإنني أشكر لدار الهدى والرشاد بدمشق جهدها وصبرها .
- ولمؤسسة الفرسان للنشر والتوزيع بعمان اهتمامها وإتقانها ، حيث تولّت تنسيق وإخراج وطباعة الكتاب .
ومع ذلك كله فإن هذا العمل جهد بشري ، يعتريه ما يعتري العمال من سهو أو نقص ، إن وقع شيء من ذلك وتبين لنا ، فإننا سوف نعالجه في الطبعة القادمة بإذن الله ، وأنا أطلب من الإخوة القراء أن يقدموا لي أثمن هدية وهي الملحوظات القيّمة ، والنقد الموضوعي البناء انطلاقاً من قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
( أحبّ ما أهدى إليّ أصحابي عيوبي )

علماً بأنه ما من أحد أصغر من أن ينقد ، وما من أحد أكبر من أن ينقد إلا صاحب القبة الخضراء صلى الله عليه وسلم ، وليس الذي يقبل النصيحة الخالصة لوجه الله بأقل أجراً من الذي يسديها ، فهما في الأجر سواء ، وقد تمّ تخصيص بريد إلكتروني خاص لاستقبال ملاحظاتكم حول هذا التفسير وهو nabulsitafser@gmail.com
ولا يسعني في نهاية المطاف إلا أن أدعو وأقول :
جزى الله عنا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، بشيراً ونذيراً خير ما جزى نبياً عن أمته ...وجزى عنا صحابته الكرام وأهل بيته الطيبين الطاهرين ، الهادين المهديين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، ما هم أهله ...
وجزى عنا والدينا ومشايخنا ومن علمنا ومن له حق علينا خير الجزاء ...
وجزى عني زوجتي وأولادي ذكوراً وإناثاً خير الجزاء ، فقد أخذت من الوقت الذي ينبغي أن يكون لهم .. وقتاً لتحضير دروس هذا التفسير ..
محمد راتب النابلسي
الإثنين الأول من ربيع ثاني عام 1437ه

الموافق 11/01/2016 م


تفضل الله علي من خلال الدروس التي كنت ألقيها في جامع النابلسي لأربعين عاما خلت بتفسير كامل للقرآن الكريم وقد سميته:
تدبر آيات الله في النفس والكون والحياة انطلاقا من قناعتي أنه لا يعدو كونه تدبرا لآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية.

ومما اعتنيت به في هذا التفسير:

1- الاسقاطات الواقعية:

الإسقاطات الواقعية، مجتهدا في إسقاط معاني الآيات القرآنية على واقع المسلمين اليوم، إنطلاقا من أن القرآن الكريم منهج حياة، وكون بعض الآيات القرآنية ترتبط بسبب نزول، أو حادثة معينة، لايعني أبدا تقييدها بالسبب أو الحادثة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
2- العناية بالآيات التي تتحدث عن الكون:

العناية بالآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان والكون والتي تزيد على ألف آية وتفسيرها تفسيرا علميا، إنطلاقا من قناعتي بأن التفكر أوسع باب وأقصر طريق نصل من خلاله إلى الله، لأنه يضعنا وجها لوجه أمام عظمة الله.
3- ذكر القصص الواقعية:

ذكر القصص الواقعية سواء من التاريخ أو من الواقع المعاصر، وكذلك الاستعانة بالمثل في توضيح معاني الآيات القرآنية، ذلك أن القصة حقيقة مع البرهان عليها، والمثل يرسخ المعنى ويثبته، وينقله من فكرة مجردة إلى صورة مزينة، ولا يخفى أن ذكر القصص وضرب الأمثال أسلوبان قرآنيان جليان في كتاب الله.
محمد راتب النابلسي
عمان 9-4-1437 هـ
19-01-2016 م


طباعة الكتاب:

تمت طباعة موسوعة تفسير النابلسي المسمَّاة ( تدبر آيات الله في النفس والكون والحياة) للدكتور محمد راتب النابلسي، في عشرة أجزاء تشمل تفسيراً لكامل القرآن الكريم.
وقد استغرق هذا العمل - ولله الحمد - أربعين عاماً من فضيلة الشيخ، ثم عمل عليه فريق علمي بإشراف فضيلته لمدة خمس سنوات، ليصبح اليوم بين أيدي الإخوة القراء.
الكتاب صدر عن مؤسسة الفرسان للنشر والتوزيع في الأردن، عمان، وسيوزع بعونه تعالى في كثير من البلاد العربية والإسلامية.

ويمكن الحصول على موسوعة التفسير عن طريق شرائه المباشر ودفع قيمته بالنت من مؤسسة توزيع جمالون-اضغط هنا- ويتم توصيله لعنوان المرسل مباشرة
والحمد لله رب العالمين